سليمان بن موسى الكلاعي

211

الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا

يزغ قلبك ، ولم تضعف بصيرتك ، ولم تجبن نفسك ، ولم تخن ، كنت كالجبل الذي لا تحركه العواصف ، ولا تزيله القواصف ، كنت كما قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : أمن الناس عليه في صحبتك وذات يدك ، وكما قال : ضعيفا في بدنك قويا في أمر الله تعالى متواضعا في نفسك ، عظيما عند الله ، جليلا في الأرض ، كبيرا عند المؤمنين ، لم يكن لأحد فيك مهمز ، ولا لقائل فيك مغمز ، ولا لأحد فيك مطمع ، ولا عندك هوادة لأحد ، الضعيف الذليل عندك قوى عزيز حتى تأخذ له بحقه ، والقوى العزيز عندك ضعيف ذليل حتى تأخذ منه الحق ، القريب والبعيد عندك في ذلك سواء ، شأنك الحق والصدق والرفق ، وقولك حكم وحتم ، ورأيك علم وعرف ، فأقلعت وقد نهج السبيل ، وسهل العسير ، وأطفئت النيران ، واعتدل بك الدين ، وقوى الإيمان ، وظهر أمر الله ولو كره الكافرون ، فسبقت والله سبقا بعيدا ، وأتعبت من بعدك إتعابا شديدا ، وفزت بالحق فوزا مبينا ، فجللت عن البكاء ، وعظمت رزيتك في السماء ، وهدت مصيبتك الأنام ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، رضينا عن الله قضاءه ، وسلمنا لله أمره ، ولن يصاب المسلمون بعد رسول الله صلى اللّه عليه وسلم بمثلك أبدا ، كنت للدين عزا وكهفا ، وللمؤمنين حصنا وفئة وأنسا ، وعلى المنافقين غلظة وغيظا وكظما ، فألحقك الله بميتة نبيك صلى اللّه عليه وسلم ولا حرمنا أجرك ، ولا أضلنا بعدك ، فإنا لله ، وإنا إليه راجعون « 1 » . وأنصت الناس حتى قضى كلامه ، ثم بكى وبكوا ، قوالوا : صدقت يا بن عم رسول الله صلى اللّه عليه وسلم .

--> ( 1 ) انظر الخطبة في : العقد الفريد ( 5 / 19 - 20 ) .